حسن الأمين
155
مستدركات أعيان الشيعة
بالآستانة ، كما عين لها مجموعة من الأساتذة والموظفين ، كان بينهم رستم حيدر الذي أصبح معاونا للمدير . ولما عاد مدير الكبية إلى الآستانة ، أوصى الشيخ عبد العزيز شاويش بتعيين رستم حيدر مديرا لما أظهره في الكلية من مقدرة وذكاء ، فعين لهذا المنصب ، على الرغم من انتمائه إلى أسرة « حيدر » التي كان الاتحاديون يرتابون في أفرادها كل الارتياب . وكان رستم حيدر خلال تولية إدارة المدرسة يقوم إلى جانب الإدارة بإلقاء دروس في التاريخ . وقد جمع دروسه في كتب سماها « التاريخ القديم » ، و « تاريخ الإسلام والقرون الوسطى » ، و « فجر التاريخ الحديث » ، وهي غير مطبوعة . الالتحاق بفيصل كان التحاق رستم حيدر بالأمير فيصل نقطة تحول خطيرة في حياته ، وبداية عهد جديد في سيرته ، تبدل رستم فيه من طالب العلم المجد ، وعضو جمعية العربية الفتاة السرية ، والمعلم الهادئ ، إلى سياسي ناضج ، ورجل دولة من الطراز الأول . وقد بقي رستم مديرا « للكلية الصلاحية » حتى سنة 1917 ، وفي تلك السنة أصبح القدس مهددا بالسقوط بيد الإنكليز ، فغادره وعاد إلى دمشق ، وقضى فيها أسابيع كان خلالها على اتصال بمن كان موجودا فيها من أعضاء « العربية الفتاة » . وهناك قرر الالتحاق بفيصل مع عدد من رفاقه . وكان ( الأمير ) فيصل قد وصل من الحجاز إلى « أبي اللسن » على رأس « الجيش الشمالي » ، واحتل مرتفعات « سمنة » التي تشرف على « معان » ، وبذلك أصبح الاتصال بين سورية والأمير فيصل أسهل من ذي قبل . وفي تلك الأثناء نقلت القطعة التركية التي يقودها ياسين الهاشمي إلى جبهة فلسطين قرب عمان . فتم الاتصال به بواسطة الملازم سليم عبد الرحمن ( 1 ) لاستشارته فيما يمكن عمله ، فأبدى ياسين تحفظا شديدا كعادته ، وأبدى أن الأمر أصبح بيد فيصل . فقررت زمرة من أعضاء « العربية الفتاة » الموجودين الاتصال بالأمير فيصل واستشارته في أمر الالتحاق به . فجاء الرد بأنه إذا لم يعد بالإمكان القيام باي عمل إيجابي في دمشق فليلتحقوا به في « أبي اللسن » . وبدأت الاستعدادات لتهيئة الحملة للالتحاق بمقر الأمير فيصل على طريق الصحراء وعبر جبل الدروز . وكان في الحملة الدكتورة أحمد قدري ، وأخوه تحسين قدري الذي كان ضابطا في جبهة فلسطين فعاد إلى دمشق متنكرا . وكان رستم أحد أعضائها . أما الآخرون فهم : رفيق التميمي ، وسليم عبد الرحمن ، والملازم الأول محمود المغربي ، والمعلم خليل السكاكيني ( الأديب الفلسطيني المعروف ) وسعيد الباني ، ولطفي العسلي وأخواه . واستعانت الحملة بسليم بن يوسف عبيد من « جرمانا » لتهيئة الخيل والسلاح والعتاد للمتطوعين ، وبلغت التكاليف حدا باهظا . وفي 10 آب 1918 قصدوا ، متفرقين ، بستان « اليونسية » ، أحد بساتين جرمانا بغوطة دمشق ، فاجمعوا أمرهم وغيروا زيهم ، وغادروا تحت جنح الليل متجهين إلى قرية « خلخلة » . ( 2 ) وعلى الرغم من إحاطة أمر الحملة بالكتمان الشديد ، فقد بلغ أمر مغادرة هؤلاء الفتيان السلطة العسكرية في دمشق ، فجدت في ملاحقتهم ، ووضعت جائزة قدرها خمسمائة ليرة ذهبية لكل من يأتي برأس واحد منهم ، حيا أو ميتا . وتبدأ مذكرات رستم حيدر - أو ما بأيدينا منها - منذ يوم مغادرة الحملة بستان اليونسية في 10 آب 1918 ، فقد دون ذكرياته وانطباعاته يوما بعد يوم خلال السفرة الطويلة التي قطعوا خلالها الصحراء على ظهور الإبل مارين بجبل الدروز ، حيث حلوا ضيوفا على سلطان الأطرش أياما . ويصف رستم حيدر كثيرا من عادات الدروز ويقدم صورة ناطقة عن حياتهم ويسجل عنهم ملاحظات طريفة ، كما يصف الأهوال والمصاعب التي مروا بها في الطريق . وخلال هذه الأيام نظم السكاكيني نشيده المشهور : « أيها المولى العظيم » لينشد أمام فيصل عند وصول البعثة إلى مقره . وواصلت الحملة بعد ذلك سيرها حتى بلغت مقدمة الجيش العربي التي كانت مخيمة في « وهيدة » مقابل معان في 30 آب ، بعد حل وترحال استمرا عشرين يوما ، شهد أعضاؤها خلالها عناء عظيما ، ومشقات بالغة . وقد استقبلهم قائد المفرزة الشمالية علي جودت . ( 3 ) وبعد أن استراحوا لديه قليلا أرسلهم إلى مقر الأمير فيصل في « سمنة » ذكر نوري السعيد - الذي كان مع الأمير فيصل - وصولهم قائلا : « . . وقبيل زحف الجحفل وصلنا بعض المتطوعين عن طريق الصحراء من جبل الدروز ، وهم رستم حيدر ، ورفيق التميمي ، وأحمد قدري ، وتحسين قدري الذي عينته مرافقا لي » . ( 4 ) الدخول إلى دمشق ويواصل رستم حيدر تدوين يومياته فيصف المسيرة نحو درعا فدمشق ، وما رافقها من أحداث ، حتى دخول دمشق في 3 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1918 . وعلى أثر وصول فيصل إلى دمشق عين أمير اللواء علي رضا ( باشا ) الركابي حاكما عسكريا عاما لسورية ، وأوفد أمير اللواء شكري ( باشا ) الأيوبي ورستم حيدر إلى بيروت لاعلان قيام الحكومة العربية فيها . وقد دون رستم حيدر تفاصيل هذه المهمة في يومياته ، إذ وصلا إلى بيروت يوم 6 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1918 ، وتم إعلان انضمام لبنان إلى الحكومة العربية ، وعين حبيب باشا السعد حاكما مدنيا ، كما أعلن ذلك في المدن الأخرى . ففي صيدا ألف الأهلون إدارة عربية موقتة ورفعوا العلم العربي ، ثم وصل مندوب الحكومة العربية قادما من دمشق ، وحدث الأمر ذاته في اللاذقية وفي طرابلس وصور وبقية المدن الساحلية . ولكن السلطات الفرنسية التي كانت متمسكة ببنود معاهدة سايكس - بيكو احتجت على هذه الاجراءات ، وأيدت بريطانية موقف حليفتها ، فاصدر الجنرال اللنبي أمرا بتعيين الكولونيل بياباب الفرنسي حاكما عسكريا للمنطقة الغربية ، وطلب إلى الأيوبي أن ينزل العلم العربي وينسحب ، فلما
--> ( 1 ) سليم عبد الرحمن : من المناضلين الفلسطينيين . ( 2 ) أحمد قدري ، المرجع سالف الذكر ، ص 64 - 65 . ( 3 ) رئيس وزراء العراق فيما بعد . ( 4 ) نوري السعيد ، محاضرات عن الحركات العسكرية للجيش العربي في الحجاز وسورية ، ألقيت على طلبة كلية الأركان ببغداد في مايس سنة 1947 ، مطبعة الجيش بغداد ، ص 57 .